
غادر أمس رئيس وزراء جمهورية صربيا، السيد جورو ماتسوت، الجزائر بعد زيارة عمل ناجحة استمرت يومين. هذه الزيارة، التي تميزت بسلسلة لقاءات رسمية رفيعة المستوى، ركزت على تعزيز التعاون بين الجزائر وصربيا في مختلف المجالات، ما يعكس حرص الطرفين على تطوير شراكة استراتيجية متينة تخدم مصالح البلدين على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.
خلال إقامته في الجزائر، التقى السيد ماتسوت برئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في جلسات رسمية تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية، خصوصًا في مجالات التعاون الاقتصادي والصناعي والتجاري. وقد شهدت الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات المشتركة التي شملت عدة قطاعات حيوية، ما يعكس الدينامية المتنامية للعلاقات الجزائرية-الصربية ورغبة الجانبين في توسيع آفاق التعاون المستقبلي. وعند مغادرته مطار هواري بومدين الدولي، كان في توديعه كل من الوزير الأول، السيد سيفي غريب، وعدد من أعضاء الحكومة، إلى جانب الأمين العام لوزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، السيد لوناس مقرمان، وسفير الجزائر لدى صربيا، السيد فاتح محرز.
زيارة رئيس وزراء صربيا ركزت على الجانب الاقتصادي، حيث التقى السيد ماتسوت بوزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، السيد كمال رزيق، في الجزائر العاصمة. وقد تناول الطرفان سبل تعزيز التعاون التجاري بين البلدين، بما يشمل تطوير المبادلات التجارية الثنائية وتشجيع الشراكات بين المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين والصربيين. وتم خلال اللقاء مناقشة الإمكانيات المتاحة لتوسيع التعاون الثنائي، بما في ذلك تشجيع مشاركة المؤسسات في المعارض والصالونات الاقتصادية، وتنظيم تظاهرات تجارية مشتركة للتعريف بالمنتجات الجزائرية والصربية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتجارة.
كما شدد الطرفان على أهمية إنشاء مجلس أعمال جزائري-صربي يضم رجال الأعمال من الجانبين لتعزيز التواصل المباشر، واستكشاف فرص الاستثمار والشراكة، ودعم المبادلات التجارية الثنائية بشكل مستدام. هذه الخطوة تهدف إلى توفير منصة مستمرة للتعاون الاقتصادي وتشجيع إقامة مشاريع مشتركة تعزز التنمية الصناعية والتجارية للبلدين.
بالإضافة إلى اللقاءات الرسمية والاقتصادية، حرص رئيس وزراء صربيا على الاطلاع على التراث الثقافي والديني للجزائر، حيث قام بزيارة إلى جامع الجزائر الأعظم. وخلال هذه الزيارة، تلقى شروحات مفصلة حول هذا الصرح الديني والثقافي المتميز، واطلع على مرافقه المتنوعة التي تعكس الجمع بين العمارة الإسلامية والفنون الحديثة. وقد استقبل الوفد الصربي من قبل فريق إدارة الجامع الذي قدم شرحًا وافيًا عن تاريخ بناء الجامع، تصميمه المعماري، والمرافق المرفقة به، مسلطًا الضوء على دوره كمكان ديني وثقافي وسياحي يمثل العاصمة الجزائرية.
زيارة الجامع أعطت رسالة واضحة عن اهتمام الجانب الصربي بالتعرف على التراث الثقافي والديني الجزائري، وتعزيز الروابط الثقافية بين البلدين، بما يساهم في تطوير الحوار بين الحضارات وتوطيد العلاقات الثنائية على مستوى الثقافة والدين، إضافة إلى السياسة والاقتصاد.
الزيارة لم تقتصر على الجوانب الاقتصادية والثقافية فقط، بل شملت أيضًا مناقشات حول التعاون في مجالات استراتيجية مثل الصناعة، الطاقة، والزراعة. وقد أبدى الجانب الصربي اهتمامًا كبيرًا بالشراكات في الصناعات التحويلية، العتاد الفلاحي، المواد الأولية، والصناعات الميكانيكية، بالإضافة إلى الصناعات الرقمية والتكنولوجية، بما في ذلك البرمجيات والذكاء الاصطناعي. من جهة أخرى، ركز الجانب الجزائري على عرض القدرات الوطنية في مجال الإنتاج الصناعي والزراعي والمواد الأولية، وذلك بهدف تحقيق تكامل صناعي واستفادة متبادلة بين البلدين.
كما أتاح هذا اللقاء فرصة لتأكيد المستوى المتميز للعلاقات الثنائية التاريخية بين الجزائر وصربيا، وإبراز الإرادة المشتركة في تحويل الاتفاقيات الموقعة إلى مشاريع ملموسة على الأرض. وتشمل هذه المشاريع تطوير سلاسل إنتاج مشتركة، نقل التكنولوجيا، وتعزيز الابتكار في مختلف القطاعات الاقتصادية. وتأتي هذه الجهود ضمن خطة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية وتوسيع المبادلات التجارية بشكل مستدام.
زيارة رئيس وزراء صربيا أيضًا أرسلت رسالة مهمة للعالم، مفادها أن الجزائر تبقى شريكًا إقليميًا ودوليًا موثوقًا، قادرًا على تطوير علاقات متوازنة مع مختلف الدول، بما في ذلك الدول الأوروبية، وتعزيز التعاون متعدد المجالات على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
في المجمل، تبرز هذه الزيارة نجاحًا دبلوماسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، حيث أسهمت في تقوية العلاقات الجزائرية-الصربية على كافة الأصعدة. فهي تمثل خطوة مهمة نحو شراكة استراتيجية مستدامة، تجمع بين السياسة والاقتصاد والثقافة، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون في المستقبل، بما يحقق المنفعة للبلدين ويسهم في تعزيز موقعهما على المستوى الإقليمي والدولي.




