
في يوم 28 مارس 2026، ودّع الشعب الجزائري أحد أبرز رجالاته الوطنيين، الرئيس الأسبق اليامين زروال، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 84 عامًا بعد صراع طويل مع مرض عضال. وقد أعلنت رئاسة الجمهورية حدادًا وطنيًا لثلاثة أيام، تنكّست خلالها الأعلام على كامل التراب الجزائري وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، تقديرًا لما قدمه الراحل من تضحيات خلال فترة حساسة من تاريخ الجزائر.
النشأة والانخراط في الثورة
ولد اليامين زروال في 3 يوليو 1941 بمدينة باتنة، إحدى المدن التي تميز أبناؤها بالصمود خلال حرب التحرير الوطني ضد الاستعمار الفرنسي. منذ صغره، تجلّت فيه الروح الوطنية العالية، فالتحق بجيش التحرير الوطني عام 1957، وشارك في العمليات العسكرية التي هدفت إلى تحرير الجزائر. أسهمت تلك التجارب المبكرة في تشكيل شخصيته الوطنية والفكرية، ومهدت له الطريق للانخراط العميق في مسار الدولة بعد الاستقلال.
المسار العسكري
مع استقلال الجزائر عام 1962، واصل زروال مساره العسكري، متلقيًا تكوينًا عسكريًا متقدمًا في الاتحاد السوفياتي، ثم في المدرسة الحربية الفرنسية عام 1974. هذا التكوين أتاح له تولي مسؤوليات كبيرة في الجيش الوطني الشعبي، بدءًا من قيادة المدرسة العسكرية في باتنة، مرورًا بالأكاديمية العسكرية في شرشال، ثم قيادة النواحي العسكرية السادسة، الثالثة والخامسة، وصولًا إلى قيادة القوات البرية في أركان الجيش الوطني الشعبي.
تميزت مسيرته العسكرية بالصرامة والانضباط، ما أكسبه احترام زملائه وسمعة طيبة داخل المؤسسة العسكرية، مؤكدًا التزامه بالواجب الوطني قبل أي اعتبار شخصي.
التحديات السياسية المبكرة
شهد عام 1989 أولى تحدياته السياسية، حين قدم استقالته بسبب خلافات مع الرئيس الشاذلي بن جديد حول مخطط تحديث الجيش، مؤكدًا تمسكه بمبادئه الوطنية. ثم شغل منصب السفير في رومانيا عام 1990، قبل أن يقدم استقالته مجددًا، مشددًا على أن هدفه خدمة الوطن وليس المكاسب الشخصية.
في 10 يوليو 1993، عُيّن وزيرًا للدفاع الوطني، ثم وصل إلى قمة السلطة، حين تم تعيينه رئيسًا للدولة لتسيير شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية في 30 يناير 1994، في فترة عصيبة عرفت البلاد أزمة أمنية وسياسية كبيرة.
الرئاسة في أصعب مرحلة
واجه زروال تحديات جسيمة خلال فترة العشرية السوداء، التي شهدت صراعات مسلحة وعنفًا غير مسبوق. ومع ذلك، استطاع فرض نوع من الاستقرار، محافظًا على مؤسسات الدولة وحياة المواطنين، مع محاولة تأمين استمرارية المؤسسات في ظروف شديدة الصعوبة.
في 16 نوفمبر 1995، أصبح أول رئيس للجمهورية يُنتخب بطريقة ديمقراطية، رغم الانتقادات والاتهامات بالتزوير. وقد اشتهرت رئاسته بالنزاهة والتواضع، حيث ابتعد عن مظاهر البذخ وعاش حياة بسيطة بعد تركه الحكم.
مواقفه السيادية
عرف زروال بمواقفه الوطنية المستقلة، فرفض الخضوع لأي ضغوط خارجية، سواء من الدول الأجنبية أو المؤسسات المالية الدولية. لم يتردد في الدفاع عن سيادة القرار الوطني، مؤكدًا أن الحفاظ على كرامة الشعب يجب أن يكون على رأس الأولويات.
الانتقال السلمي للسلطة
في 11 سبتمبر 1998، أعلن زروال تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، منهياً بذلك عهدته في 27 أبريل 1999. وكان هذا القرار دليلاً على التزامه بالمبادئ الديمقراطية وحرصه على عدم البقاء في السلطة دون موافقة الشعب، ما أكسبه احترام المواطنين وحتى بعض خصومه السياسيين.
الحياة بعد الرئاسة
بعد مغادرته السلطة، اختار زروال العودة إلى منزله المتواضع في باتنة، بعيدًا عن مظاهر الثراء والفخامة، مواصلًا متابعة الشأن الوطني وفق مبادئ النزاهة والخدمة العامة. وقد صرح في مناسبات عدة: “لست طامعًا في منصب أو مسؤولية، ولكنني ابن هذا الشعب وإذا كان بحاجة إليّ سأستجيب.”
حتى بعد تركه الحكم، أبدى اهتمامه بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية 2009 وفق شروط النزاهة، ما يعكس التزامه الدائم بالمبادئ الوطنية.
حكومة زروال والدعم السياسي
شهدت فترة رئاسته تعاقب عدة رؤساء حكومات ساهموا في تنفيذ سياسات الدولة:
رضا مالك (1993–1994)
مقداد سيفي (1994–1995)
أحمد أويحي (1995–1998)
إسماعيل حمداني (1998–1999)
وقد لعب هؤلاء دورًا أساسيًا في دعم استقرار الدولة تحت إشراف زروال، خلال أصعب فترات التاريخ الحديث للجزائر.
الوفاة وتشييع الجثمان
أعلن بيان رسمي لرئاسة الجمهورية وفاة الرئيس الأسبق بالمستشفى العسكري محمد الصغير نقاش بالعاصمة. وتوجه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى المستشفى لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الفقيد. وسيتم دفن زروال يوم الاثنين في مسقط رأسه بمدينة باتنة بعد صلاة الظهر.
إرث وطني خالد
اليامين زروال لم يكن مجرد شخصية سياسية أو عسكرية، بل رمز للتفاني والنزاهة والتواضع. جمع بين الخبرة العسكرية والوعي السياسي، وواجه أصعب الأزمات بحزم وموضوعية، محافظًا على الدولة والشعب. ستظل سيرته مثالًا يحتذى به للأجيال القادمة، ودرسًا في الشجاعة، النزاهة، والالتزام بالمصلحة الوطنية.




